ابن قيم الجوزية

341

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

السماء : خشية اللّه . والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن . فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل ، الباسقة الفرع في السماء علوا ، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين . وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء . ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت ، بحسب ثباتها في القلب ، ومحبة القلب لها ، وإخلاصه فيها ، ومعرفته بحقيقتها ، وقيامه بحقوقها ، ومراعاتها حق رعايتها . فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها ، واتصف قلبه بها ، وانصبغ بها بصبغة اللّه التي لا أحسن صبغة منها . فعرف حقيقة إلهيته التي يثبتها قلبه للّه ، ويشهد بها لسانه ، وتصدقها جوارحه ، ونفي تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى اللّه وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات ، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا . كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا . فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى اللّه كل وقت . فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى . وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلما كثيرا طيبا ، يقارنه عمل صالح ، فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب ، كما قال تعالى : 35 : 10 إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فأخبر سبحانه ، أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب . وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت . والمقصود : أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا ، ومتصفا بموجبها ، قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته . فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه . وفروعها متصلة بالسماء . وهي مخرجة ثمرتها كل وقت .